|
هذه
ترجمة ذاتيّة نادرة بقلم الشاعر كتبها سنة 1955 وعمره
آنداك 23 سنة واردة بديوان ـ صراع ـ تغطّي الثلث
الأول من حياته باعتبار ه قد عاش 68 سنة |
|
لعلّ من اللاّئق
الآن، وأنا أقدّم لك هذه المجموعة الشّعريّة
المتواضعة، أن أعرّفك ببعض المراحل الّتي اجتازتني
أحيانا واجتزتها أحيانا أخرى، طيلة ثلاث وعشرين
سنة قضّيتها من عمري في صراع مع الزّمان عنيف عرفت
فيه من أنواع الحرمان ما جعلني أتعوّد مقارعة
الأحداث وركوب الصّعاب وأخلق من نفسي مطية تذوب تحت
أقدامها العقبات الكأداء فأتحدّى بالعزم كلّ ما
اعترضني في طريقي مغنّيّا للحياة وأبناء الحياة
رغــم
الظّلام أشـعّ من نفسي وأشــرق كالصّباح
وأسيـر في دربي
على الأشواك أغتصب النجاح
أمشـي مع الأيام
اصطحـب الطّمــوح إلى الخلـود
كالنّهــر أكتسح
الحــواجـز في طرــيقي والسّــدود |
ولدت يوم 17/09/1931
بمدينة نفطة من بلاد الجريد، وفي التّاسعة من عمري
فارقت «الكتّاب» بعدما فارقني أبي إلى الأبد...
وكان، رحمه الله، من العلماء الأجلّة. تخرّج من
الأزهر الشّريف بمصر وباشر مهنة التّدريس بجامع
القرويين بمدينة فاس ودرّس بالجزائر وقضى بقيّة
حياته في خدمة العلم وإفادة النّاس حتّى مات سنة 1941
في نفطة، وكان لي إخوان ثلاثة لا بدّ أن يترسّموا
خطى الوالد العلميّة ولكنّه لم يترك لنا المال
الكافي فاضطرّت والدتي إلى التّخفيف من حملها
فأرسلتني إلى خالي محمد النّاصر الحشّاني الّذي
كان خبّازا، آنذاك، بقرية سيدي عمر بوحجلة من ولاية
القيروان فوجدت الفطائر والحلويات وأشرفت معه على
المخبز والحانوت من عام 1944 إلى عام 1946 ثمّ انتقلنا
إثر أزمة ماديّة خانقة إلى قرية سيدي علي بن نصر
الله، من عرش جلاص الكبير، فقضينا بها عاما وبعض
عام نعمل كأجيرين في مخبز هناك ولمّا لم تساعدنا
الظّروف اتّجهنا إلى بلدة «حاجب العيون» فعملت
فيها بالاشتراك مع خالي في مخبز ثمّ في مقهى ثمّ في
السّوق أبيع وأشتري. وأذكر أنّي عملت شهرا في مطبخ.
وفي هذه البلدة انخرطت في جمعيتها الكشفيّة فحفظت
بعض الأناشيد الوطنيّة وكان أوّل عهد لي بتصفّح بعض
المجلاّت التّونسيّة والشّرقيّة الّتي كان
يطالعها خالي مع بعض جلاّسه من مثقّفي البلدة. وكنت
آنذاك لا أحسن غير قراءة العناوين الضّخمة...ـ
وفي 3-3-1948 خرجت مع خالي إلى البادية وعلى ظهرينا
الفراش والملابس حيث التقينا بجماعة من العرب
الرّحّل واصطحبناهم إلى بلدة مكثر من ولاية الكاف
سيرا على الأقدام... ـ
ها أنا خبّاز بأولاد عيار، ثمّ ها أنا أفتح دكّانا
للرّقائق (الفطائر) أصنع فيه (المخارق)
و(الزّلابيّة) فأقبل عليّ النّاس إقبالا غنمت منه
ربحا عظيما، ما جعل خالي يطمئنّ على مستقبلي ويبارك
عبقريتي في تلك الصنائع...
وكان خالي أديبا له شعر فحل ونثر كنثير الدرّ، يجمع
بين الذّكاء والفطنة ما حبّب فيه النّاس، فكنت
أتسمّع إلى محاوراته في الأدب والفنّ والسّياسة
والاجتماع وأتلقّف من أصحابه معلومات مختلفة إلى
أن وجدتني أميل إلى المطالعة ثمّ إلى فهم الموضوعات
ثمّ إلى خطّ كلمات لفتت نظر خالي وأعلمني بأنّها :
شعر... وساعدني في بدء الطّريق إلى أن توفّقت إلى نظم
قطعة شعريّة ألقيتها في اجتماع وطني فنالت استحسان
الحاضرين. وقد نشرت بجريدة (الحريّة) اللّسان
الرّسمي للحزب الحرّ الدّستوري التّونسي، آنذاك،
تحت عنوان (ابتسم الشّعب). ولمّا زار المجاهد الأكبر
الأستاذ الحبيب بورقيبة بلدة مكثر سنة 1949 بعد عودته
من الشّرق، ارتجلت أمامه قصيدة (نار القول) الّتي
نشرت بجريدة (تونس)، وصفّق الجمهور العظيم وقبّلني
(الحبيب) قبلة التّشجيع والتّهنئة. وقد سمعته يقول:
(هذا هو الشّاعر الحقيقيّ، الشّعر منو خارج وحدو
هكّاكه) ثمّ أشار عليّ أن ألتحق بالجامعة
الزّيتونيّة، وأبدى أعضاده استعدادا كبيرا
لإعانتي على التّعلّم ممّا جعل آمالي في الثّقافة
تلمع في عيني لمعان الماء للظّمآن.
واكتشفت وجودي... وآمنت بموهبتي الّتي لا بدّ أن
تصبح مهذّبة بالعلم وتذكّرت كلمة كنت أسمعها من
أقاربي وهي :(النّار اتجيب الرّماد) وهم يعنون بها
أنّي قد حدت عن طريق العلم والأدب الّتي هي طريق
عائلتي، من عهد المعتصم بن صمادح ملك «المريّة»
بالأندلس، وذهبت إلى العاصمة في أوائل عام 1950 بدون
أن أتسلّح بغير الطّموح والأمل وذكرى والدي وروحه
الّذي يهيب بي أشياء أحسّها ولكنّني لا أدركها...
ولمّا وصلت إلى عاصمة تونس اتّصلت بمكتب (الحزب
الحرّ الدّستوري التونسي) لكي أجد من يساعدني على
التّعليم كما وعدوني في مكثر ولكن ظروفا لم تسمح
بغير الانتظار ثمّ الرّجوع إلى العاصمة من جديد
وطرقت الأبواب واتّصلت بأخي المعلّم المتربّص
بترشيح المعلّمين آنذاك فوجدته ما زال في الحالة
الطّالبيّة... وساقتني المقادير إلى (مطبعة العرب)
حيث تعرّفت بالأستاذ زين العابدين السّنوسي(2)
الّذي كان ينشر لي بجريدة (تونس) بعض القصائد،
ولحينه جهّزني بوصلات استخلاص الجريدة وأعطاني
نفقات السّفر واتّجهت إلى ناحية الشّمال الغربي من
البلاد التّونسيّة فقضيت شهرا ونصف الشّهر متجوّلا
بين القرى والمداشر أتّصل بالمشتركين وأستخلص ما
بذمّتهم وأتعرّف إلى أحوال البلاد والعباد فأكتب
عنها رسائل أنشرها على ظهر الجريدة، أذكر أنّي
طالعت بعضها مهذّبا ومحوّرا ولكنّ مراسلتي
الرّابعة نشرت كاملة كما خطّها قلمي.
ولما عدت إلى العاصمة وجدت الأستاذ مبتهجا بنتائجي
الماديّة والأدبيّة، وأشار عليّ بالمطالعة فأخذت
ألتهم كلّ ما يقع في يدي من الكتب الأدبيّة الّتي لا
أجد في فهمها كثيرا من الصّعوبة
وانتقلت بعد ذلك محرّرا متجوّلا لجريدة (الأسبوع)
وكنت أصطحب معي في كلّ رحلة كتابا أدبيّا أو ديوانا
شعريّا ولما حادت الجريدة عن اتّجاهي السّياسي
أنهيت عملي بها وذهبت إلى بلدة لمطة من بلاد
السّاحل حيث يقطن أخي محمّد العربي المعلّم
بالمكاتب الدّوليّة وكان معه أخي الصّغير عبد
الرّحيم ووالدتي فقضيت معهم بعض الأيّام ثمّ علمت
بوجود خالي ببلدة البقالطة فذهبت لزيارته ولا أعرف
كيف طالت الزّيارة وتمطّطت حتّى وجدتني منهمكا في
العمل.
أنا الآن يا أخي القارئ العزيز لست صحفيّا، فلنطو
تلك الصّفحة إلى حين... وتعال معي إلى بلدة البقالطة
وانظر إلى هذا المزدحم من النّاس! إنّهم حرفاء
معجبون التفّوا حولي ليشتروا فطور الصّباح... أنا
الآن فطائري يقبل عليّ النّاس وتعجبهم صناعتي، وكم
يكون ابتهاجهم عظيما عندما تفاجئهم الصّحافة
اليوميّة والأسبوعيّة بنشر صورتي وقصائدي فتراهم
لا يكادون يصدقون أنّهم يقرأون في المساء أدب من
اشتروا منه الفطائر في الصّباح... وقضيت هناك سبعة
اشهر انتقلت إثرها إلى مدينة قابس حيث انتقل أخي
معلّما بها، وفي قابس تعلّمت صناعة الخياطة
العصريّة والكيّ فقضيت ثمانية أشهر في التّمرين
والتّدريب ذهبت بعدها إلى العاصمة واتّصلت ثانية
بالأستاذ زين العابدين السّنوسي وأويت إلى مطبعته
وباشرت العمل في مغازة ابن عمّار للخياطة العصريّة
وبقيت بها إلى أواخر 1953 وعاودني الحنين إلى
الصّحافة فعملت محرّرا بجريدة « الأخبار »
اليوميّة أشرفت على صفحتها الأدبيّة وعملت محرّرا
بجريدة (الزّيتونة) الأسبوعيّة وأشرفت على تحرير
الصّفحة الأدبيّة بجريدة (البلاغ) اليوميّة ونشرت
قصائدي في كلّ الصّحف والمجلاّت وفي عام 1954 طبعت
قصيدة (الفردوس المغتصب) ثمّ طبعت ديوان (فجر
الحياة) الّذي حجزته الحكومة الاستعمارية وحجرت
بيعه وجولانه وذلك بقرار من الجنرال دي لاتور مازال
لم يرفع حتّى الآن، ثمّ طبعت كتاب (حرب على الجوع)
ثمّ الجزء الأوّل من (ملحمة الشّهداء)، وكان كلّ ذلك
بفضل مساعدة رفيقي وصديقي الصّدوق الأخّ عبد
الدّائم المرزوقي الّذي وجدت فيه معاضدة فعّالة
ساعدتني على المضيّ في طريق الطّبع رغم الصّعاب.
ولمّا عادت جريدة (العمل) إلى البروز أشرفت على
تحرير صفحتها الثّقافيّة، وفي أوائل شهر مارس 1956
كلّفت برقابة الإذاعة العربيّة التّونسيّة حيث
أعمل الآن مراقبا ومحاضرا.
وبعد فهذا هو موجز حياتي كما أعرفه، وتلك هي بعض
أيامي فأنا لا أعرف تعليما مدرسيّا ولا جامعيّا،
أنا ذلك الفطريّ الّذي برز من صميم الشّعب لخدمة
الشّعب، وما زلت أسير في الطّريق إلى أن أحقّق -إن
شاء الله- ما أصبو إليه ويصبو إليه الجيل الجديد من
أدب رفيع أرجو أن تتمثّل فيه الخدمة الاجتماعيّة
المثلى، وهذه المجموعة الشّعريّة ليست هي الأولى
وليست الأخيرة إنّما هي حلقة من سلسلة متّصلة، وقد
نظّمتها في بحر العام الفارط ووضعت أكثرها في أغراض
اجتماعيّة ووطنيّة والتزمت فيها ما يتّفق ومثل
الشّباب الأعلى فإن أفلحت فذلك ما كنت أرجوه وإن لم
أفلح فحسبي أني عملت.ـ
|